منوعات

اتصلت ابنتي الصغيرة بالطوارئ وقالت: أفعى أبي تؤلمني… لكن ما اكتشفته الشرطة داخل الغرفة الرمادية صدم الجميع

— أخي الصغير يعرف أيضًا أين يُخفيها… شعرت “نورا الكعبي” وكأن الهواء تحوّل إلى حجر. — أخوك الصغير؟ سألت بصوت أخفض. أين أخوك يا مريم؟ شدّت الطفلة الأرنب القماشي بقوة حتى انثنت إحدى أذنيه. — في الأعلى… داخل الغرفة الرمادية… تجمّد “خالد المنصوري” لثانية كاملة. ثم استدار نحو الممر وكأنه لم يعد يسمع شيئًا آخر. أما الرجل المقيّد بجانب سيارة الشرطة، فتوقّف للمرة الأولى عن التظاهر بالهدوء. وقال بسرعة: — إنها مشوشة… الطفلة تختلق القصص… لا يوجد أي ولد هناك.

لكن أحدًا لم يصدقه. وضعت نورا يدها على كتف مريم بحنان بدا شبه مستحيل وسط كل ذلك الرعب. — ما اسم أخيك الصغير؟ ابتلعت الطفلة ريقها بصعوبة. — تومي… — كم عمره؟ — خمس سنوات… وقفت نورا فورًا. — إلى غرفة العمليات… هناك احتمال وجود طفل آخر معرّض للخطر داخل المنزل. نحتاج دعمًا إضافيًا، ووحدة إسعاف، وفريق حماية أطفال. في مركز الطوارئ، ضغطت “ليان الشامسي” السماعة على أذنها بقوة. — الدعم في الطريق. عاد خالد إلى داخل الفيلا.

وسارت نورا خلفه مباشرة دون أن تبتعد عن مريم. بدا الممر أضيق الآن. الكاميرات الصغيرة المثبتة في الزوايا. الأبواب ذات الأقفال الخارجية. ورائحة مواد التنظيف المختلطة بالرطوبة… كل شيء بدا نظيفًا أكثر مما ينبغي. وكان ذلك مرعبًا. كانت الغرفة الرمادية في نهاية الممر تمامًا. أدار خالد المقبــ,,ـــــض. مغلق. أطلقت مريم أنينًا خافتًا خلف نورا. — هناك يتركه عندما يبكي… لم يتحدث خالد. تراجع خطوة ثم وجّه ركلة قوية قرب القفل. اهتز الباب لكنه لم ينفتح.

أما الركلة الثانية… فحطّمت القفل تمامًا. ارتطم الباب بالحائط بقوة. كانت الغرفة صغيرة، تكاد تخلو من النوافذ. سر,,ـــــير واحد بلا غطاء. مصباح قديم. دلو بلاستيكي. كوب مهمل على الأرض. ورسومات أطفال معلّقة على الجدار: سيارات… شمس… منزل أزرق… وطفلان يمسكان بأيدي بعضهما. وفي الزاوية… كان هناك طفل نحيل جدًا ركبتيه. عيناه واسعتان بصورة مؤلمة. يرتدي قميصًا متسخًا وجوارب غير متطابقة. لم يكن يبكي. وذلك كان أسوأ ما في الأمر. فقط رفع رأسه ببطء، بتلك النظرة الفارغة التي يملكها شخص استهلك كل خوفه ولم يتبقَّ داخله سوى ردود الفعل.

شعرت نورا بعقدة تخنق حلقها. — تومي… قالت بصوت ناعم جدًا. لم تعد وحدك الآن. لم يُجب الطفل. نظر أولًا إلى خالد. ثم إلى نورا. ثم خلفهما نحو الممر. — مريم؟ سأل بصوت مكسور. أفلتت مريم الأرنب وركضت نحوه فورًا. تعانقا بقوة وكأنهما يحاولان الاختباء داخل بعضهما. تراجع الطفل في البداية، كأنه لا يعرف إن كان مسموحًا له بالحركة، ثم تشبث بأخته بيأس صامت جعل نورا تدير وجهها للحظة حتى لا تنهار بالبكاء هناك. بدأ خالد يتفقد الغرفة.

كانت الخزانة تحتوي على قفل صغير. كسره بالقوة. في الداخل كانت هناك بطانيات، وملابس أطفال متسخة، وصندوق أدوات، وعبوات مواد تنظيف، وحقيبة حمراء. لم يكن هناك شيء يفسر كلمة “الأفعى” حرفيًا. لكن لم يعد أحد بحاجة إلى تفسير حرفي. في الخارج، كان الأب لا يزال يحاول الحفاظ على قناعه. — كل هذا مجرد سوء فهم… قال بينما كانوا يضعونه داخل سيارة الشرطة. أم الأطفال تملأ رؤوسهم بالأكاذيب… البنت تبالغ دائمًا… دائمًا تبالغ… لكن الشرطي الذي كان يراقبه لم يرد عليه حتى.

داخل الفيلا، وصل المسعفون بعد دقائق قليلة. فحصوا الطفلين داخل غرفة الجلوس لأن أيًا منهما لم يكن مستعدًا لترك الآخر. كانت على ذراعي مريم وساقيها كدمات قديمة وحديثة… علامات خوف وإهمال وسهر طويل. أما تومي، فكانت بشرته جافة، ووزنه أقل من الطبيعي، وكان ينتفض من أي صوت مفاجئ. قال أحد المسعفين: — يجب أن نأخذهما معنا… لكن معًا. أومأت نورا برأسها. — معًا. رفعت مريم رأسها. — إلى أين؟ أجابت نورا بهدوء: — إلى مكان آمن… وسأكون معكما.

لم يكن ذلك ضمن الإجراءات المعتادة تمامًا. لكن تلك الليلة… لم يكن أحد مستعدًا لمجادلة طفلة ما تزال ترتجف رغم أن الوحش أصبح داخل سيارة الشرطة. وأثناء خروجهم من الفيلا، بدأ الجيران يطلّون من النوافذ والمرائب. الشارع الذي بدا نائمًا قبل دقائق… استيقظ بطريقة قذرة. — ماذا حدث؟ — من اتصل بالشرطة؟ — هل الطفلة بخير؟ — دائمًا شعرت أن ذلك الرجل غريب… — لكنه كان يبدو رجلًا محترمًا جدًا… بقيت الجملة معلقة في الهواء كإهانة.

“كان يبدو رجلًا محترمًا.” شدّت نورا فكها بقوة. وفكرت في عدد المرات التي يختبئ فيها الرعب خلف الأبواب النظيفة وأصص الورود والأضواء الدافئة… حتى لا يطرح أحد أي سؤال. — صعدت مريم وتومي إلى سيارة الإسعاف. الطفلة لم تترك الأرنب. والطفل لم يترك أخته. أما ليان في مركز الطوارئ، فظلت تتابع البلاغ عبر اللاسلكي. لم يعد بإمكانها فعل شيء عملي، لكنها لم تخلع السماعة. فبعد أحد عشر عامًا من استقبال البلاغات، كانت تعرف أن أخطر المكالمات لا تنتهي دائمًا عند إغلاق الخط…

بل أحيانًا تبدأ من هناك. عند الساعة الثانية فجرًا، عثروا على الأم. ولم يكن الأمر سهلًا. كان الرجل قد ادّعى أن زوجته “هجرَت الأطفال” قبل ثلاث سنوات، وأنها غير مستقرة نفسيًا، وأن الطفلين “لا يتذكرانها أصلًا”. لكن داخل ملف قديم في غرفة الجلوس، وجدوا نسخة من بلاغ عن عنــ,,ـــــف أسري تم سحبه جزئيًا. وفي أحد الأدراج، عثروا على دفتر يحتوي على تحويلات مالية متفرقة. أما داخل هاتف المشتبه به، وبعد تدخل الادعاء، وجدوا رسائل تهديد وصورًا وملفات لم تُرسل أبدًا.

وكان اسم الأم يتكرر كثيرًا: “منى التلي”. تم العثور عليها في منزل شقيقتها في الجهة الغربية من المدينة. وصلت إلى مركز الرعاية المؤقتة وهي ترتدي ملابس منزلية وحذاءً غير مربوط جيدًا، وعلى وجهها ملامح امرأة عاشت سنوات كاملة وهي تنام بالذنب داخل صدرها. — أين أطفالي؟ سألت قبل أن تدخل بالكامل. أين أطفالي؟ حاولت الأخصائية النفسية “سارة” تهدئتها. — إنهما بخير… وهما معًا… لكن أريدك أن— قاطعتها منى بصوت مكسور: — لا تطلبي مني أن أهدأ… فقط أخبريني أين هما.

كانت مريم أول من رآها. كانت تجلس فوق كرسي أزرق صغير داخل غرفة الرعاية المؤقتة، بينما بطانية رمادية تغطي ساقيها النحيلتين، والأرنب القماشي القديم مستقر كأنه الشيء الوحيد الذي بقي ثابتًا في عالمها المنهار. كان شعرها مبعثرًا. وعيناها متعبتين بصورة لا تليق بطفلة في الثامنة. ومنذ وصولها إلى المركز، لم تترك الباب بعينيها ولو لثانية واحدة. كأن جزءًا منها ما يزال يتوقع أن يعود الوحش في أي لحظة. احتاجت مريم إلى ثانية كاملة حتى تتعرف إلى المرأة الواقفة عند المدخل.

ليس لأنها نسيت ملامح أمها… بل لأن الخوف الطويل علّمها أن تشك حتى في الأشياء الجميلة. علّمها أن النجاة لا تأتي بسهولة. وأن الأبواب حين تُفتح… غالبًا يدخل منها الألم. تحركت شفتاها ببطء شديد. ثم خرج الصوت ضعيفًا، مترددًا، كأنها تخاف أن ينكسر لو نطقت به بصوت أعلى: — ماما…؟ تجمدت “منى التلي” في مكانها فورًا. كأن الكلمة أصابتها في صدرها مباشرة. اتسعت عيناها، وارتجفت شفتاها، ثم وضعت يدها فوق فمها تحاول منع نفسها من الانهيار.

لكنها فشلت. ففي اللحظة التالية، كانت مريم قد قفزت من فوق الكرسي بكل قوتها. سقطت البطانية على الأرض. وتدحرج الأرنب القماشي بعيدًا. وركضت الطفلة نحو أمها بسرعة هستيرية، كأنها تخشى أن تختفي إذا تأخرت ثانية واحدة. وكان تومي خلفها مباشرة. يركض بخطوات صغيرة مرتبكة، لكنه لم يتوقف. سقطت منى على ركبتيها قبل أن يصلا إليها. بقوة امرأة ظنت لسنوات أنها فقدت طفليها إلى الأبد. انفجرت بالبكاء. ليس بكاءً عاديًا… بل بكاء شخص عاش سنوات كاملة يختنق بالذنب والعجز والخوف.

كانت كلماتها تخرج متكسرة بين شهقاتها: — أنا آسفة… آسفة جدًا… والله آسفة… سامحوني… سامحوني… تمسكت مريم بملابس أمها بكلتا يديها وكأنها تخشى أن تُسحب منها مجددًا. أما تومي… فقد دفــ,,ـــــن وجهه الصغير داخل عنق أمه، وبقي صامتًا تمامًا. صامتًا بطريقة موجعة أكثر من البكاء نفسه. كانت منى تقبّل وجهيهما وشعريهما ويديهما بصورة متكررة، كأن عقلها ما يزال عاجزًا عن استيعاب أنهما أمامها فعلًا. وكأنها تحاول بلمساتهما أن تتأكد أن الأمر ليس حلمًا قاسيًا آخر.

— كبرتم… يا الله… كبرتم… قالتها بصوت محطم وهي تبكي أكثر. رفعت مريم رأسها قليلًا ونظرت إلى أمها بعينين متورمتين من السهر والخوف. ثم سألتها بصوت صغير جدًا: — ليه تأخرتِ علينا يا ماما…؟ توقفت منى عن التنفس لثانية. كأن السؤال مزّق شيئًا داخلها. ارتجفت شفتاها، لكنها لم تعرف ماذا تقول. لأن الحقيقة كانت أكبر من طفلة صغيرة. وأقسى من أن تُشرح. وضمتها أكثر فقط، حتى كادت تخفيها داخل صدرها. أما تومي، فرفع رأسه أخيرًا ونظر إلى أمه طويلًا.

ثم سألها بخوف حقيقي: — هو مش رح يرجع يا ماما… صح؟ انكسرت منى بالكامل عند تلك الجملة. أغلقت عينيها بقوة، ثم أمسكت وجهه الصغير بكلتا يديها وقالت وهي تبكي: — لا… لا يا حبيبي… والله ما رح يرجع لكم أبدًا… أبدًا… وفي زاوية الغرفة، وقفت الأخصائية النفسية “سارة” بصمت كامل. كانت تحمل ملفًا بين يديها، لكنها لم تكتب حرفًا واحدًا. لأن بعض اللحظات لا تُوثَّق بالأوراق. بل تبقى محفورة داخل الإنسان نفسه. أما “نورا الكعبي”…

فشعرت أن البقاء داخل الغرفة أصبح مؤلمًا أكثر مما تستطيع احتماله. خرجت بهدوء وأغلقت الباب خلفها دون صوت. وفي الممر الطويل البارد، كانت خطوات الأطباء والمسعفين تتحرك بسرعة، بينما أضواء المركز البيضاء تجعل كل شيء يبدو شاحبًا ومتعبًا. وقفت نورا للحظات تحدق في الأرض. ثم أخرجت نفسًا طويلًا حاولت خلاله السيطرة على ارتجاف يديها. بعد دقائق، اقترب منها “خالد المنصوري” وهو يحمل كوبين من القهوة من آلة المشروبات القديمة في آخر الممر. ناولها أحدهما بصمت.

أخذته دون حماس. كانت القهوة رديئة. باردة تقريبًا. لكنها أمسكتها فقط لأنها احتاجت إلى شيء يشغل يديها عن الارتجاف. نظر إليها خالد للحظات قبل أن يسأل بهدوء: — هل أنتِ بخير…؟ أطلقت نورا ضحكة قصيرة وفارغة، تشبه شخصًا نسي كيف يضحك فعلًا. ثم هزّت رأسها ببطء وقالت: — لا… وصمتت لثوانٍ. قبل أن تضيف بصوت متعب: — لكن هذا ليس الوقت المناسب للتفكير في ذلك. أومأ خالد بصمت. لأنه فهم تمامًا ما تقصده. ففي هذا العمل…

يتعلم الإنسان كيف يؤجل انهياره. كيف يبتلع الصدمة مؤقتًا. كيف يقف ثابتًا بينما شيء داخله يتحطم ببطء. ويتعلم أيضًا… أن أسوأ الوحوش غالبًا لا تبدو مخيفة أبدًا. بل تبدو مهذبة. هادئة. وترحب بك بابتسامة عند الباب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى