منوعات

رميتُ أبي خارج مطعمي أمام الزبائن… ثم اكتشفتُ في اليوم التالي أنه باع أرضه بخمسة عشر مليار دينــ,,ـــــار وكان يختبرنا

بدأت تتحسن. في السابق كنت ستكذب. امتلأت عيناه بالدموع. أقدر أعزمك على أكل يوم؟ بلا زبائن. بلا شركاء. قلت أفكر. بالنسبة لكريم، كان هذا أكثر مما يستحق. وبالنسبة لي أيضًا. كانت ريم الأخيرة. لم تطلب مالًا. ولم تطلب السماح أمام الجميع. فقط أعطتني كيسًا. كان في داخله البطانية التي أعطتني إياها في شقتها. مغسولة. مطوية. قالت احتفظت بها لا أعرف لماذا. قلت لأنك كنت تعرفين أن ما حدث كان خطأ. أومأت. نعم. سألتها وغرفة الغسيل؟

انكسر صوتها. لن يتكرر ذلك. قلت معي لا. لكن انتبهي ألا تفعليه مع أي شخص آخر. بكت. هذه المرة لم أقترب لأواسيها. أن يشتغل الندم وحده هذا أيضًا نوع من الحب. مرّت سنتان. لم أمت. وهذا خيّب أمل البعض. كبرت المؤسسة. تركت زينب المستشفى الخاص، وأصبحت مديرة برامج الصحة المجتمعية. لم تقبل سيارة فاخرة أبدًا. كانت تستخدم سيارة بسيطة وتقودها كأنها سرقتها. عدت أعيش في القرية نصف الوقت. والنصف الآخر أذهب إلى بغداد، لكنني لم أعد أطلب الإذن لدخول البنايات.

في الجادرية، صار الحارس الجديد يسلّم عليّ باسمي. وفي الكرادة، استقبلتني حفيدتي سارة ذات مرة بحذاء مغطى بالطين لأنها زرعت نعناعًا في أصيص. وفي المنصور، وضع كريم في قائمة الطعام طبقًا باسم قمح أبي. قلت له إنه مالح. فعدّله. بدأ سامر يتولى قضايا كبار السن الذين سلبتهم عائلاتهم أموالهم. لا أعرف هل فعل ذلك بدافع الذنب، أم الحيلة، أم التغير الحقيقي. لكنني رأيته ذات مساء يجلس بجانب رجل عجوز بعقال قديم ويخاطبه باحترام. كان هذا يكفيني لذلك اليوم.

لم يُشفَ كل شيء. هناك جروح لا تُغلق، لكنها تتوقف عن النزف فوق الطاولة. لم يستعد أولادي ثقتي كاملة. وربما لن يستعيدوها أبدًا. لكن أحفادي كسبوا شيئًا فرصة أن يعرفوني قبل أن يحكي لهم الآخرون نسخة نظيفة ومزيفة عن جدهم. في أحد أيام الأحد، في الأرض التي لم تعد لي، لكنها بقيت تفوح برائحة حياتي، وجدتني زينب جالسًا أمام النبع. سألتني هل ندمت؟ قلت على البيع؟ لا. على الاختبار؟ نظرت إلى الماء وهو يخرج بين الصخور.

قليلًا. لماذا؟ قلت لأن الإنسان أحيانًا يختبر وهو يتمنى أن يكون مخطئًا. جلست بجانبي. لكنك وجدت إجابات أيضًا. قلت نعم. وكم تساوي تلك الإجابات؟ فكرت في سامر وهو يغلق الباب. وفي ريم وهي تخفيني في المطبخ. وفي كريم وهو يستدعي الحرس. وفكرت في زينب وهي تأتي بخبز ساخن بعد مناوبة طويلة. وفكرت في زوجتي مريم وهي تقول لي قبل سنوات يوسف، لا تخلط الدم بالقلب. الدم يُورث، أما القلب فيُثبت. قلت تساوي أكثر من خمسة عشر مليارًا ومئتي مليون دينــ,,ـــــار.

ابتسمت زينب. إذًا كانت الصفقة رخيصة. ضحكت. خرجت ضحكتي عجوزًا لكنها نظيفة. في تلك الليلة، قبل أن أنام، أخرجت البطاقة البنكية من الشماغ، تلك التي كنت قد خبأتها يوم الرحلة. لم أعد بحاجة إلى إخفائها. وضعتها في الصندوق الذي أحفظ فيه رسائل زوجتي. وبجانبها وضعت عقد البيع، وصورة لأولادي الثلاثة وهم صغار، وصورة لزينب وهي توزع الدواء في إحدى القرى. ليس لأقارن بينهم. بل لأتذكر. فالذاكرة أيضًا تحتاج إلى وثائق. إذا متُّ يومًا، وكلنا سنمــ,,ـــــوت حتى لو كان لدينا صندوق ائتماني، أريدهم أن يقرأوا ما كتبته في النهاية

لن يرث أكثر من يبكي عليّ، بل من لم يبعني وأنا حي. وتحتها كتبت بخطي المائل الأب لا يشتري الحب لكنه يستطيع أن يتوقف عن تمويل الاحتقار. الآن أمشي أبطأ. وأستخدم عكازًا. وما زلت ألبس حذائي الريفي حين أشاء، رغم أن أولادي يصرون على شراء أحذية أنيقة لي. أحيانًا أذهب إلى بغداد بملابس فلاح بسيط، لأن هذا ما كنت عليه، وما أنا عليه، وما أطعمني حين لم يكن أولادي يعرفون سوى الطلب. والفرق الآن، أنه إذا أغلق أحدهم الباب في وجهي، لم أعد أسأل نفسي ماذا فعلت خطأ؟

فقط أفتش كيسي القديم. لم أعد أحمل فيه العقود. أحمل خبزًا ساخنًا. ولا أعطيه إلا لمن ينظر في وجهي قبل أن يسأل كم أملك.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى