فتح حيدر عينيه وكأن العالم انشقّ أمامه للتو.
كانت العلامة المحفورة على قطعة النحاس واضحة الآن تحت ضوء المصباح جرس صغير، نفس الجرس الذي ظلّ يطارده في ذاكرته منذ كان طفلًا.
كانت زهراء ما تزال تمسك بذلك الشيء الأسود الملتف بين طرفي الملقط، وبجانبِه قطعة النحاس الصغيرة الملطخة بدم قديم.
لم تصرخ.
فهي تعلّمت منذ طفولتها أن نساء القرية لا يُسامَحن حتى على الخوف.
لكنها شعرت أن شيئًا ملعونًا خرج الآن من رأس زوجها.
كان حيدر يتنفس بعنــ,,ـــــف.
وجهه غارق بالعرق، وفمه مفتوح، وعيناه معلقتان بقطعة النحاس.
ثم فعل شيئًا لم تتوقعه زهراء أبدًا.
بكى.
ليس بصوت مرتفع.
ولا كبكاء الرجال السكارى قرب المقهى.
بكى بصمت، وعيناه مفتوحتان، وكأن تلك القطعة أعادت إليه ذكرى دفــ,,ـــــنها داخله منذ عشرين سنة.
وضعت زهراء الملقط داخل صحن فخاري.
حيدر هل تسمعني؟
رمش مرة.
ثم مرة أخرى.
ارتجفت يده ببطء واتجهت نحو أذنه.
زه
خرج الصوت خشنًا ومكسورًا من حنجرته.
تجمّدت زهراء في مكانها.
هي لم تسمع صوته من قبل.
لا تتعب نفسك.
شدّ أسنانه، وكأن الكلام يؤلمه أكثر من الجرح.
زهراء.
خرج اسمها متكسّرًا، لكنه حي.
غطّت فمها بكلتا يديها.
في الخارج، كانت الثلوج تواصل السقوط فوق أشجار الصنوبر الممتدة على سفوح الجبال، والبيت الخشبي يئن تحت الريح الباردة، والبغال داخل الحظيرة تتحرك بقلق.
العالم بقي باردًا كما هو
لكن شيئًا داخل
ذلك المطبخ بدأ يشتعل.
أشار حيدر نحو الدفتر.
ناولته زهراء بسرعة.
كتب بخط مرتجف
الجرس.
أي جرس؟
أمسك قطعة النحاس، وحدّق فيها تحت ضوء المصباح، ثم تركها تسقط وكأنها تحــ,,ـــــرقه.
وعاد يكتب
كنيسة سوران. كنت بعمر ثمان سنوات.
شعرت زهراء بمعدتها تنقبــ,,ـــــض.
نفس الكنيسة التي ضحكوا فيها عليها يوم زفافها.
نفس المكان الذي تحولت فيه حياتها إلى سخرية.
من فعل بك هذا؟
أغلق حيدر عينيه.
ذهبت يده نحو أذنه، ثم صدـ,,ـــره.
وكتب كلمة واحدة
أنس.
الحاج أنس الراوي.
صاحب الجمعية الزراعية.
الرجل الذي اشترى دين والدها.
الرجل الذي يجلس دائمًا في الصف الأول داخل الكنيسة القديمة أيام الأعياد.
ونفس الرجل الذي ضحك أعلى من الجميع عندما قال أحدهم إن زهراء أكبر من أن يحبها رجل.
شعرت زهراء أن البيت أصبح أبرد فجأة.
بدأت تنظف الدم عن أذن حيدر بقطعة قماش مبللة.
خرج صديد كثيف من الجرح، ثم خيط داكن رفيع.
كانت الرائحة قاسية، لكنها لم تبتعد.
كان حيدر يرتجف.
ليس من الألم فقط.
بل من الذكريات.
في تلك الليلة لم يناما.
حضّرت له زهراء شاي الأعشاب الذي كانت أمها تستعمله للحمّى، ووضعت الكمادات الساخنة فوق أذنه، وجلست تستمع لكل كلمة متقطعة استطاع إخراجها، بين أصوات مكسورة وعبارات يكتبها في الدفتر.
حيدر لم يولد أصمًّا.
في طفولته كان يسمع كل شيء.
كان يركض بين الأشجار، ويصفّر للبغال، ويغني مع والده أغاني قديمة وهما ينزلان إلى
سوق القرية لبيع الجبن والقمح والعسل.
والده، جاسم الجبوري، كان يملك أرضًا جيدة.
ليست أرض أثرياء.
بل أرضًا حقيقية.
ينابيع ماء لا تجف.
أشجار جوز وصنوبر.
وطريق قديم يمر بين الجبال، كانت تمر منه شاحنات خشب وصفقات لا يتحدث عنها أحد بصوت مرتفع.
الحاج أنس أراد تلك الأرض.
لكن جاسم رفض البيع.
وفي إحدى الليالي، سمع حيدر والده يتشاجر خلف الكنيسة مع الحاج أنس، والطبيب فؤاد، ورجل من البلدية.
وقّع أو تخسر ابنك قال أنس.
لكن جاسم لم يوقّع.
وبعد يومين، وجدوه ميتًا أسفل منحدر جبلي.
قالوا إنه سقط بسبب السكر.
وجاسم لم يكن يشرب أصلًا.
حيدر، الطفل ذو الثماني سنوات، صرخ في العزاء أنه سمع كل شيء.
قال إن أنس هدّد والده.
وأن الطبيب كان هناك.
وفي ذلك الشتاء نفسه، ماتت والدته بالحمّى.
ثم أخذوا حيدر إلى عيادة الطبيب فؤاد.
وبعد أسابيع، قالوا لأهل القرية
الطفل فقد سمعه بسبب التهاب شديد مسكــ,,ـــــين.
لكن الحقيقة لم تكن التهابًا.
أمسكوه بالقوة.
خدّروه.
وأدخلوا شيئًا داخل أذنه.
قطعة نحاس صغيرة ذات طرف حاد، محفور عليها رمز كنيسة سوران القديمة، لأن الحاج أنس كان قد موّل ترميمها قبل سنوات واحتفظ ببعض القطع داخل مخزنه.
الجرح التهب.
والعدوى عادت كل موسم برد.
والأطباء قالوا إنه أصم منذ الولادة.
وبمرور السنوات، توقف حيدر عن الكلام لأن لا أحد كان يصدقه.
ثم بدأت القرية تناديه
الوحش.
شعرت زهراء أن كل
ضحكة سمعتها يوم زفافها عادت الآن كالحامض داخل صدـ,,ـــرها.
لم يكونوا يسخرون من رجل أصم.
بل من طفل دفــ,,ـــــنوه حيًا داخل صمته.
غدًا سنذهب إلى طبيب خارج القرية قالت.
هز حيدر رأسه بعنــ,,ـــــف.
لا فؤاد.
ليس إليه. سنذهب إلى الموصل أو أربيل أو أي مكان لكنك لن تمــ,,ـــــوت هنا بسببهم.
نظر إليها طويلًا.
عيناه كانتا حمراوين ومتعبتين، لكن للمرة الأولى ظهر داخلهما شيء مختلف.
الخوف ما يزال موجودًا.
لكن معه أمل صغير.
لماذا؟ سأل بصوت بالكاد يُسمع.
فهمت زهراء السؤال.
لماذا تساعده؟
لماذا تخاطر؟
لماذا لا تترك الوحش يمــ,,ـــــوت وحده كما أراد الجميع؟
نظرت إلى يديه الخشنتين المليئتين بالتشققات، نفس اليدين اللتين لم تلمساها يومًا دون إذن.
لأنك لم تكن قاسيًا معي رغم أن الجميع أعطاك الحق لتكون كذلك.
خفض حيدر رأسه بصمت.
ومع أول ضوء للفجر، جهزت زهراء البغلة.
كان الثلج يغطي الطريق بالكامل، وأشجار الصنوبر تنحني تحت البياض الثقيل، والهواء يحمل رائحة الحطب والرطوبة والأرض الباردة.
حيدر بالكاد استطاع الجلوس فوق السرج.
غطّته زهراء بالبطانيات، ووضعت قطعة النحاس داخل علبة كبريت صغيرة.
وقبل أن يغادرا، لمحَت رجلًا يمتطي حصانًا عند طرف الطريق.
كان يرتدي عباءة سوداء.
لم يقترب.
فقط راقبهما.
ثم استدار ونزل نحو القرية.
فهمت زهراء فورًا.
لقد عرفوا.
وصلا إلى سوران عند الظهيرة.
كانت القرية حية كعادتها.
دخان يخرج من المداخن، كلاب
هزيلة تركض بين الأزقة، نساء يحملن الخبز الساخن، ورجال يقفون قرب المقهى وكأنهم لا ينظرون.
لكن الجميع كان ينظر.
كان حيدر شاحب الوجه
فوق البغلة.
وزهراء تمشي بجانبه، وثوبها ملطخ بآثار دم جاف وثلج ذائب.
شوفوا السمينة خرّبت الأصم أخيرًا قال رجل وهو يضحك.
وانطلقت ضحكات متقطعة.
توقفت زهراء.
في السابق كانت ستخفض رأسها.
لكن ليس هذه المرة.
ابتعدوا عن الطريق.
خرج صوتها ثابتًا بشكل فاجأ حتى نفسها.
ضحك رجل آخر.
وإذا ما ابتعدنا؟
رفع حيدر رأسه ببطء.
فتح فمه بصعوبة.
ثم قال بصوت مبحوح
ابتعدوا.
وسقط الصمت فوق المكان كالحجر.
تراجع الرجال خطوة كاملة.
ليس بسبب قوة صوته
بل لأنهم سمعوه أصلًا.
لأول مرة منذ عشرين سنة، الوحش تكلم.
خرج الحاج أنس من باب الجمعية الزراعية، مرتديًا معطفًا صوفيًا وعصًا فضية.
اتجهت عيناه مباشرة نحو أذن حيدر.
ثم نحو يد زهراء المغلقة حول علبة الكبريت.
وفي تلك اللحظة، اختفى بعض اللون من وجهه.
ماذا فعلتِ به يا بنت؟
قالها ببرود، لكن صوته لم يكن ثابتًا تمامًا.
رفعت زهراء ذقنها.
أخرجتُ الشيء الذي دفــ,,ـــــنتموه داخل رأسه.
تجمّدت الساحة.
وفي نفس اللحظة، ظهر الطبيب فؤاد من خلف الصيدلية الصغيرة.
كان نحيفًا، شاحبًا، ويداه ترتجفان.
هذا اتهام خطير.
فتحت زهراء علبة الكبريت.
وأظهرت قطعة النحاس.
تراجع الطبيب خطوة صغيرة.
صغيرة جدًا
لكنها كانت كافية.
ابتسم الحاج أنس ابتسامة باردة.
قطعة نحاس لا تثبت شيئًا. حيدر كان مريضًا منذ صغره. وأنتِ دائمًا كنتِ تحبين اختلاق القصص حتى يلتفت الناس إليكِ.
آلمتها الجملة.
لأنها كانت تعرف جيدًا
كيف كان الناس ينظرون إليها طوال عمرها.
لكنها الآن امتلكت شيئًا أقوى من الجمال.
امتلكت الحقيقة.
إذًا سنذهب لطبيب خارج القرية.
اقترب الحاج أنس منها خطوة.
لا تملكين المال.
ابتسمت زهراء لأول مرة منذ أيام.
أملك بغلة.
ضحك بعض الرجال، لكن ضحكتهم هذه المرة لم تكن مرتاحة.
بل متوترة.
وفجأة خرج صوت امرأة من طرف السوق
وأنا سأساعدها.
التفت الجميع.
كانت أم سلمان، القابلة العجوز التي تبيع الأعشاب والأدوية الشعبية قرب السوق.
كثيرون كانوا يطرقون بابها عندما يفشل الطبيب
لكن أحدًا لم يكن يسمح لها بالجلوس معهم.
اقتربت من حيدر.
نظرت إلى أذنه.
ثم شمّت رائحة الجرح.
هذه ليست لعنة هذه يد بشر.
احمرّ وجه الطبيب فؤاد.
اخرسي أيتها العجوز المجنونة.
لكنها تجاهلته تمامًا.
ابن أختي سينزل غدًا إلى دهوك.
ومن هناك يمكنكم الوصول إلى المدينة. إذا تأخرتم قد يمــ,,ـــــوت.
لم تنتظر زهراء أكثر.
في نفس العصر غادروا القرية مع أم سلمان، وشاب اسمه ريبين كان يعرف طرق الجبال المغطاة بالثلج.
مرّوا بممرات ضيقة كانت الريح تعضّ الوجوه فيها كالسكاكين.
وفي الليل كانوا ينامون داخل بيوت طينية صغيرة، يأكلون الخبز اليابس والجبن والشاي الثقيل.
وكان حيدر يزداد سوءًا.
أحيانًا يسمع همسات بعيدة.
وأحيانًا لا يسمع شيئًا.
وأحيانًا يمسك رأسه ويرتجف كأنه يرى شيئًا غير موجود.
كانت زهراء تنظف الجرح بصبر، وتتكلم معه ببطء، وتعلّمه الأصوات من جديد.
هذا
صوت الريح.
يغلق عينيه.
الريح.
وهذا صوت النــ,,ـــــار.
النــ,,ـــــار.
وهذا صوتي أنا.
كان ينظر إليها وكأن صوتها شيء يولد أمامه لأول مرة.
زهراء.
وفي كل مرة ينطق اسمها، كانت تشعر أن العالم يعيد إليها شيئًا سُرق منها منذ زمن طويل.
وصلوا إلى دهوك بعد ثلاثة أيام.
المدينة كانت تفوح منها رائحة الخبز والقهوة والدخان والبرد.
الناس يركضون في الأسواق، والسيارات تمر وسط الضباب، والجبال تحيط بالمكان من كل جهة.
فحص طبيب هناك أذن حيدر.
ظل صامتًا طويلًا.
ثم نظر إلى زهراء بجدية.
هذا الرجل لم يولد أصمًّا.
شعرت أن ساقيها فقدتا قوتهما.
هل يمكن أن يشفى؟
تنهد الطبيب.
لا أعرف كم سيستعيد من سمعه. هناك ضرر قديم جدًا لكن توجد أيضًا التهابات وأجسام غريبة داخل الأذن. وإذا أجرينا عملية بسرعة، ربما يستعيد جزءًا من السمع.
ثم رفع قطعة النحاس بالملقط.
وهذا لم يدخل وحده.
كتب الطبيب تقريرًا كاملاً.
مختومًا.
وموقعًا.
بكلمات لن تستطيع القرية تحويلها إلى إشاعات.
وضعت زهراء التقرير داخل ملابسها.
نظر إليها حيدر.
خطر.
أعرف.
لا يجب عليكِ
قاطعتْه بهدوء.
بل يجب.
هز رأسه ببطء.
ليس من أجلي فقط؟
اقتربت منه.
وفكرت بكل الفتيات اللواتي تعلمن خفض رؤوسهن داخل سوران.
وبكل النساء اللواتي استُخدمن لسداد الديون.
وبكل الرجال الفقراء الذين حوّلوهم إلى وحوش حتى يبقى الوحوش الحقيقيون فوق الجميع.
ثم قالت
من أجلي أنا أيضًا.
كانت العملية طويلة.
رائحة المعقمات
والحديد البارد تملأ المستشفى، وزهراء تجلس على مقعد قاسٍ قرب غرفة العمليات، ويداها متشققتان من البرد والعمل، والتقرير الطبي مضغوط بقوة داخل حــ,,ـــــضنها.
لم يعرض عليها أحد قهوة.
ولم ينظر إليها أحد كأنها امرأة مهمة.
لكن ذلك لم يعد يعنيها.
لأول مرة في حياتها، شعرت أنها تقف في المكان الصحيح.
خرج حيدر بعد ساعات طويلة، ورأسه ملفوف بالشاش الأبيض.
قال الطبيب إن جزءًا من سمعه قد يعود.
ربما يسمع الأصوات.
ربما الكلمات.
وربما لن يعود كل شيء كما كان.
لكن الألم سيتوقف.
والالتهاب سينتهي.
وقطعة النحاس؟ سألت زهراء.
نظر إليها الطبيب بجدية.
وجدنا قطعًا أخرى صغيرة داخل الأذن. بعضها متآكل من النحاس. هذا لم يكن دــ,,ـــــادثًا أحدهم فعل هذا به عمدًا منذ سنوات طويلة.
شعرت زهراء ببرودة تمر داخل جسدها رغم دفء المستشفى.
فكرت بالحاج أنس.
وبالطبيب فؤاد.
وبكل الضحكات التي ملأت الكنيسة يوم زفافها.
ثم سألها الطبيب
هل تريدون تقديم شكوى؟
نظرت إلى حيدر.
كان نصف نائم بسبب الدواء، لكن عينيه كانتا مفتوحتين قليلًا، كأنه يخشى أن ينام ويستيقظ داخل ذلك الصمت القديم مرة أخرى.
نعم قالت بهدوء نريد.
في الليل استيقظ حيدر.
كانت زهراء نائمة على الكرسي قربه، ورأسها مائل نحو الجدار.
رفع يده ببطء ولمس طرف البطانية التي تغطيها.
زهراء.
استيقظت فورًا.
هل تتألم؟
ظل صامتًا للحظة.
ثم نظر نحو النافذة.
كانت هناك أصوات بعيدة تأتي من الشارع.
سيارة تمر.
رجل يضحك.
كلب ينبح.
ثم
صوت أذان بعيد جدًا.
ارتجفت شفتاه.
هذا؟
نظرت إليه زهراء.
الأذان.
أغمض عينيه.
وبكى.
بكت هي أيضًا.
وعندما عادوا إلى سوران، لم يعودوا
وحدهم.
كان معهم محامٍ من دهوك، وتقرير المستشفى، ورجلان أرسلهما المركز للتحقيق.
وكانت أم سلمان تنتظرهم عند مدخل القرية.
بدأت الحكايات تنتشر قالت وهي تشد شالها الصوفي.
وكانت محقة.
الخبر سبقهم.
الأصم صار يسمع.
والسمينة عادت بأوراق.
والوحش لم يكن وحشًا.
أغلقت الجمعية الزراعية أبوابها مبكرًا ذلك اليوم.
وحاول الطبيب فؤاد الاختباء داخل الصيدلية، لكن رجال القرية رأوه.
لم يضــ,,ـــــربه أحد.
بل أخذوه إلى الساحة.
أحيانًا يكون خوف المذنب أقسى من الضــ,,ـــــرب نفسه.
خرج الحاج أنس من بيته بعصاه الفضية.
هذه مسرحية سخيفة.
فتح المحامي الملف.
الحاج أنس الراوي، مطلوب منك الإدلاء بأقوالك بخصوص الاعتــ,,ـــــدا الذي تعرض له حيدر الجبوري قبل عشرين سنة، وبخصوص وفــ,,ـــــاه جاسم الجبوري، والاستيلاء على أراضيه.
ساد الصمت.
بدأ الطبيب فؤاد يتعرق.
أنا أنا فقط نفذت ما طُلب مني.
استدار الحاج أنس نحوه بعنــ,,ـــــف.
اخرس.
لكن الوقت فات.
فالجبناء لا يحفظون الأسرار عندما يقترب الخوف منهم.
اعترف الطبيب بكل شيء.
تحدث عن الليلة التي أحضروا فيها حيدر إلى العيادة.
وعن المال الذي دفعه الحاج أنس حتى يصمت الطفل.
وعن النحاس الذي كان يجب أن يسبب التهابًا دائمًا يدمر سمعه.
وعن جاسم الجبوري الذي لم يسقط وحده من الجبل
بل دُفع.
شعرت زهراء أن الأرض تميد تحتها.
حتى زواجها لم يكن مجرد سخرية.
لقد استخدموها كفخ.
كوسيلة للسيطرة على أرض حيدر إذا أقنعوا الناس لاحقًا بأنه مجنون أو غير قادر
على إدارة حياته.
وقف حيدر بصعوبة.
كان ضعيفًا.
ورأسه ما يزال ملفوفًا بالشاش.
لكنه بدا ضخمًا أمام الجميع.
نظر إلى الحاج أنس مباشرة.
وقال بصوت مبحوح لكنه واضح
أنا سمعت.
تجمّدت الساحة بالكامل.
سمعت أبي وهو يرفض. وسمعت تهديدك ثم أخذتَ العالم مني.
حاول الحاج أنس أن يبتسم.
لا تستطيع إثبات
لكن زهراء رفعت قطعة النحاس أمام الجميع.
هو ليس وحده الآن.
وفي تلك اللحظة، خرج والد زهراء من بين الناس.
كان يبكي.
كنت أعرف أن الدين مزور قال بصوت مرتجف أجبروني على التوقيع سامحيني يا بنتي.
نظرت إليه زهراء طويلًا.
سنوات كاملة كانت تنتظر أن يدافع عنها.
تأخر كثيرًا.
لكنه أخيرًا قال الحقيقة.
لا تطلب السماح اليوم قالت بهدوء فقط قل كل شيء.
وتكلم.
ثم تكلم آخرون.
الرجل الذي كان يعمل في أرض جاسم.
وصاحب الفرن.
وأرملة الراعي.
كل واحد منهم كان يعرف قطعة من الحقيقة وخاف.
وبدأ صمت القرية يذوب مثل الثلج تحت الشمس.
لم يسقط الحاج أنس في ذلك اليوم فورًا.
فالرجال الأقوياء لا يسقطون بسرعة.
يحاولون شراء الوقت.
وتهديد الناس.
والتشبث بما تبقى لهم.
لكنهم أخذوه للتحقيق.
وأخذوا الطبيب فؤاد معه.
ولأول مرة منذ عشرين سنة
لم ينادِ أحد حيدر بالوحش.
الأشهر التالية كانت صعبة.
استعاد حيدر جزءًا من سمعه.
ليس كله.
بعض الأصوات كانت تؤلمه.
وصوت جرس الكنيسة كان يجعل يديه ترتجفان.
وأحيانًا كان يفضّل الصمت، لأنه الشيء الوحيد الذي اعتاد عليه طوال حياته.
تعلمت
زهراء أن تتكلم معه ببطء.
وهو استمر أحيانًا في استخدام الدفتر.
لكن ليس لأنه مضطر.
بل لأن الكلام ما يزال يخيفه أحيانًا.
أما البيت
فقد تغيّر.
زهراء لم تعد تنام وهي تضم فستان زفافها القديم.
بل قطعته إلى قطع صغيرة تستخدمها داخل المطبخ.
وعندما رآها حيدر تفعل ذلك، ابتسم.
كان فستانًا بشعًا.
ضحكت للمرة الأولى بصوت حقيقي.
فعلًا.
وكانت تلك أول مرة يضحكان فيها معًا.
ومع ذوبان الثلوج، عادت الأرض خضراء من جديد.
امتلأ الوادي برائحة التراب الرطب والصنوبر.
وعاد الماء يجري قرب المزرعة.
وصارت زهراء تنزل إلى السوق كل جمعة، تبيع الجبن والبيض والأعشاب التي تعلمتها من أم سلمان.
وفي أحد الأيام، قالت لها نفس المرأة التي سخرت منها يوم زفافها
تبدين مختلفة الآن يا زهراء.
رفعت زهراء عينيها عنها وقالت بهدوء
لا أنتم فقط تنظرون إليّ بطريقة مختلفة.
ولم تعرف المرأة ماذا ترد.
استغرقت القضية وقتًا طويلًا.
لكن أرض جاسم عادت رسميًا لحيدر.
وخسر الحاج أنس الجمعية الزراعية وسمعته وحريته.
أما الطبيب فؤاد، فلم يعد أحد يسمح له بعلاج طفل واحد داخل القرية.
وقبل أن يغادر والد زهراء سوران نهائيًا، جاء إلى المزرعة ووضع خمسين ألف دينــ,,ـــــار فوق الطاولة.
هذا لا يصلح شيئًا قالت زهراء.
هز رأسه بحزن.
أعرف لكني أريد أن يتوقف هذا الدين عن مطاردتك.
لم تعانقه.
ليس بعد.
لكنها أخذت المال.
ووضعته داخل مرطبان زجاجي بجانب قطعة النحاس.
ليس كتذكار للإهانة
بل كدليل.
وبعد عام كامل، احتفلت سوران بعيد الربيع.
امتلأت الساحة بالأطفال والدخان ورائحة الخبز والشاي.
وعادت أجراس الكنيسة القديمة ترن بعد ترميمها.
وقف حيدر قرب زهراء.
وعندما دوّى أول جرس، ارتجف جسده.
أمسكت يده فورًا.
هل يؤلمك؟
تنفس ببطء.
نعم.
هل تريد أن نرحل؟
فتح عينيه.
نظر إلى الكنيسة.
إلى الساحة.
إلى المكان الذي سرق طفولته.
ثم هز رأسه.
لا.
رنّ الجرس مرة ثانية.
ثم ثالثة.
ظل يرتجف
لكنه بقي واقفًا.
شعرت زهراء بيده تضغط يدها.
صوته مزعج قال.
ضحكت بخفة.
دائمًا كان مزعجًا.
نظر إليها طويلًا.
ثم قال بصوت هادئ
لكن صوتك أجمل.
شعرت بحرارة تصعد إلى وجهها.
لم يقل يومًا إنها جميلة.
ولم تحتج ذلك أصلًا.
فهو قال شيئًا أكبر بكثير.
وفي تلك الليلة، عادا إلى المزرعة تحت سماء مليئة بالنجوم.
كان الهواء باردًا، وصوت ذئب بعيد يخرج من بين الجبال.
توقف حيدر فجأة.
هذا؟
ابتسمت زهراء.
ذئب.
ابتسم كطفل يسمع العالم للمرة الأولى.
ذئب.
نظرت إليه تحت ضوء القمر.
ذلك الرجل الذي سموه الوحش كان يتعلم الحياة من جديد
صوتًا بعد صوت.
أما هي
الفتاة التي سموها السمينة والصفقة الخاسرة
فكانت تتعلم أخيرًا كيف تعيش دون أن تخجل من نفسها.
وعندما دخلا البيت، سحب حيدر الدفتر وكتب جملة قصيرة.
ناولها لها.
أنا لم أشترِك.
قرأت الجملة بصمت.
ثم أخذ القلم وكتب تحتها
وأنا لم أُسلَّم لك.
رفع عينيه نحوها.
ثم كتبت سطرًا أخيرًا
نحن فقط أنقذنا بعضنا.
ولم يكن هناك موسيقى.
ولا نهاية تشبه الحكايات.
فقط نــ,,ـــــار المدفأة.
ورائحة الخبز.
والثلج يذوب فوق السقف.
وشخصان جريحان يجلسان أمام بعضهما
يفهمان أخيرًا أن الحب لا
يبدأ دائمًا بالرغبة.
أحيانًا يبدأ
باحترام.