خالد ووجهه مغطى بالكعك في عيد ميلاده. خالد يحمل ابنته الأولى. خالد نائم على الكنب قرب أبيه. تساءلت متى تحول إلى هذا الرجل الذي ترك الأقفاص في صالتي بعد أسبوع واحد من دفن أبيه؟ ربما لم يتحول. ربما فقط تعلّم أنني أقول نعم دائمًا. المشكلة لم تكن في الحب. بل في الحب بلا حدود. في إحدى المحطات، اشتريت دفترًا صغيرًا. وبدأت أكتب كل ما لم أقله يومًا. اليوم أفطرت وحدي، ولم يطلب مني أحد أن أسخّن الخبز.
اليوم نمت قيلولة بلا ذنب. اليوم دعاني رجل للرقص، فقلت لا لأنني لا أريد لا لأنني لا أستطيع. اليوم اشتقت إلى أبي خالد، لكنني لم أشتق إلى رعايته. هذه الجملة الأخيرة جعلتني أبكي ثلاث صفحات. لأن الأرملة قد تشعر بالراحة أيضًا. وهذه الراحة لا تلغي الحب. بل تجعله إنسانيًا. بعد ثلاثة أشهر، وصلتني رسالة من حفيدتي الكبرى جود. كانت في السادسة عشرة، وفيها من العناد أكثر مما فيها من الصبر. كتبت جدتي، أبوي يقول إنك تركتينا. وماما تقول إن الفيلا ما راح تكون لنا. صحيح إنك بتعطينها لنساء ما تعرفينهم؟
أجبتها هن لسن نساء لا أعرفهن. هن أنا لكن بأسماء كثيرة. تأخرت يومين ثم ردت أقدر أزورك لما ترجعين؟ بكيت حتى ظنت أمينة أن ضغطي ارتفع. كتبت لها نعم. لكن تأتين لتزوريني أنا، لا لتقيسي الغرف. وصلني قلب صغير. كان كافيًا. بعد ستة أشهر، عادت السفينة إلى جدة لفترة قصيرة. نزلت ومشيت على كورنيش جدة. رأيت العائلات، والمقاهي، والبحر الذي يلمع تحت الشمس، والناس — يلتقطون الصور كأن الحياة لا تزال تستحق التوثيق. اشتريت آيس كريم مانجو.
وجلست أمام البحر. ثم فتحت الهاتف. كان هناك رسالة من خالد. لم تكن طويلة. أنا أراجع مختصًا نفسيًا. أنا وريم انفصلنا. لا أكتب لك لأطلب الفيلا. فقط أريد أعرف إنك بخير. قرأتها أكثر من مرة. ثم أجبت أنا بخير. أكثر مما تتخيل. ولم أزد. أحيانًا فتح الباب لا يعني أن تسمح للجميع بالدخول. بعد تسعة أشهر، افتُتح بيت نورة من دوني. لطيفة، وأم فهد، وسعاد التي قررت أن تنزل من الرحلة أسبوعًا للمساعدة، نظمن أول غداء.
حضرت ثلاث نساء كبيرات في السن في ذلك اليوم. واحدة اسمها مها، كان ابنها قد أخذ راتبها التقاعدي. والثانية جميلة، كانت تنام في غرفة الخادمة داخل بيتها. أما الثالثة فلم ترغب في قول قصتها. طلبت قهوة فقط. عاد مطبخي تفوح منه رائحة الحساء. لكنه لم يعد سج,,نًا. صار مأوى. أرسلت لي أم فهد صورة للطاولة الممتلئة. وعلى الجدار، فوق الخزانة التي أرادت ريم أن تضع مكانها الأقفاص، علقوا لوحة كتبوا عليها هنا لا توجد امرأة زائدة.
ظللت أنظر إلى الصورة طويلًا. كان أبو خالد سيبتسم. أو يبكي. ربما الاثنان معًا. انتهى العام في صباح صافٍ. عادت السفينة إلى جدة، وكان صوت موسيقى هادئة يملأ المكان، والركاب يصطفون بحقائبهم، وهداياهم، ووجوههم التي غيّرتها الشمس. نزلت بحقيبتي البيضاء، وأقراط اللؤلؤ، وهدوء لم أعرفه من قبل. كان خالد في الميناء. وحده. أنحف قليلًا. بلا نظارات سوداء. يحمل باقة ورد بسيطة، ليست فاخرة. أعجبني ذلك، لكنني لم أقل. قال يمّه. نظرت إليه. لم أركض لأحض,,نه.
ولم أعاقبه بالبرود. انتظرت فقط. ابتلع ريقه وقال سامحيني لأنني ظننت أن حياتك متاحة لنا فقط لأنك أمي. هذه الجملة كانت جديدة. ليست كاملة. لكنها جديدة. قلت ما زلت غاضبة. قال أعرف. وما زلت متألمة لأن جود ظنت أنني تركتها. خفض رأسه. أنا قلت لها ذلك. وأنا أخجل منه. قلت جيد. الخجل مفيد إذا لم يبقَ نائمًا. بقي صامتًا لحظة. ثم قال أقدر أوصلك البيت؟ نظرت إلى الخارج. كان هواء جدة يحمل رائحة البحر، والقهوة، وحركة السيارات قرب الميناء.
وفي البعيد، كان البحر يواصل حركته كأنه لا يتعب أبدًا. قلت لن أذهب إلى البيت مباشرة. سأل إلى أين؟ إلى الكورنيش. أريد أن أفطر أمام البحر. رمش بعينيه. في الماضي كان سيقول إنه متعب، أو مستعجل، أو إن الطريق مزدحم. هذه المرة قال فقط أقدر أجي معك؟ فكرت في كل شيء. في الأقفاص. في الببغاء. في الظرف الأزرق. في السفينة وهي تبتعد عند الفجر. وفي النساء الجالسات داخل فيلتي تحت اللوحة الجديدة. قلت تقدر تمشي معي. أما مرافقتي فهذه ستتعلمها مع الوقت.
هز رأسه. خرجنا معًا، لكن ليس متلاصقين. كان هذا مهمًا. وأثناء المشي، اهتز هاتفي. كان فيديو من أم فهد داخل بيت نورة. الصالة ممتلئة بنساء يتناولن الفطور، والشمس تدخل من النافذة، ودلة القهوة على الطاولة. وفي الخلف، كان أحدهم قد علّم الببغاء جملة جديدة. صرخ ذلك الطائر بصوته الخشن نفسه أم خالد هي الآمرة! ضحكت بقوة حتى خاف خالد. قال وش صار؟ أريته الفيديو. لم يعرف هل يضحك أم يبكي. أما أنا فعرفت. ضحكت. ضحكت من أجل أبي خالد.
ومن أجل أربعين عامًا من الخدمة. ومن أجل عظامي المتعبة. ومن أجل الحيوانات التي لم أعتنِ بها. ومن أجل الفيلا التي توقفت عن كونها ميراثًا، وصارت بابًا مفتوحًا. ضحكت لأن غيابي كسر حياتهم فعلًا. لكن ليس ليهدمهم. بل ليجبرهم أن يروا الفراغ الذي كنت أملؤه دون أن يشكرني أحد. وبينما كنت أمشي نحو البحر، والشمس على وجهي، وابني يتعلم ألّا يمشي أمامي فهمت أن المرأة أحيانًا لا تحتاج أن تم,,وت حتى تعرف عائلتها كل ما كانت تحمله عنهم.
أحيانًا يكفي أن تصعد إلى سفينة. وألا ترد على الهاتف.